مرحبا بكم على صفحات مدونة آش كاين؟ 

آش كاين ؟ 13 فبراير 2008

آش كاين؟ منبر حرّ مفتوح في وجه كلّ عربي من المحيط إلى الخليج. لكل المعذبين والمعذبات...للمرضى..للمهجّرين..للمعتقلين بدون ذنب..للمنوعين من حق التعبير..للجياع بلا مأوى..للشعراء والأدباء والمحللين..عبروا عن رأيكم بدون قيد

أدعوكم لزيارة أروع المدونات الدينية

http://tarik-allah.maktoobblog.com

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "  (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن). قيل: أيكفرن بالله؟ قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خير قط)...وقال أيضا :  (إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار). فقلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: (إنه كان حريصا على قتل صاحبه)...عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)...عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوما في سبيل الله، بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا)."

                            

السبت,نيسان 05, 2008


بقلم أبو أيمن

 

 

120740

 

حين تحتجب الرؤيا، يصبح كلّ شيء مشروعا ... فيعمّ البؤس ... وتنتشر الفوضى ... ويباع الناس في سوق البشرية ... هناك تراهم ينهقون وقد جرّتهم شياطين الإنس خلف الصفيح ... تعرّي سوءاتهم ... تزني بهم في قارعة الطريق ... تمارس عليهم الشذوذ في وضح النهار ... مساكين تراهم يشوون الريح على أشعة الشمس ... و ينتظرون قدوم المسيح من السماء في كلّ مساء ... وقد كشفوا عن عوراتهم.

 

 

المتشردة

وقفت أمام بائع الساندويتشات تنتظر دورها وعيناها الغائرتان مصوبتان نحو بعض الزبائن الجالسين داخل المحل، كانت تتابع حركات أفواههم وهي تلتهم قطع الساندويتش بشراهة، فيتدفق لعابها اللزج من بين شفتيها، وسرعان ما نفذ صبرها فصاحت في وجه البائع صيحة أسقط على إثرها قطع البطاطس من بين يديه، ثم ابتسم وهو يشير لها بيده  مهدّئا :

-   أهلا عويشة..راني ما شفتكش..هانا غادي نْسَبْقكْ غير صبْري.

 

همهمت بصوت متقطع وهي تدفع بأحد الشبان الواقفين أمامها جانبا وتأخذ مكانه، ثم تسلمت سندويتشها وغادرت المكان تلاحقها نظرات صاحب المحل وزبائنه وابتساماتهم، كانت عويشة سيدة في العقد الرابع من عمرها، نحيلة الجسد، طويلة الظفائر، ترتدي بعض الخرق الممزقة والأسمال البالية، غير أنّ وجهها لا يخلو من آثار مسحة جمال بائدة، يبدو ذلك جليا من عينيها الكبيرتين وحاجبيها المرسومين بوضوح ودقة، كل شيء مرّ في حياتها لم يكن من اختيارها، إلاّ الجنون، فهو الشيء الوحيد الذي لم يفرض عليها، فقد اختارته بمحض إرادتها كما يروي بعض من عرفها من عمال ورواد محطة ولاد زيان بدرب السلطان، اختارت عالم الجنون هربا من قساوة عالم العقل المتضمّن لكلّّّّ شيء إلاّ الصواب. فهم يقولون أنّها تنحدر من أسرة قروية ميسورة، توفيت والدتها وهي لم تتعدّى بعد العاشرة من عمرها، وككلّ الرجال القرويين تزوّج والدها حتى قبل أن تمضي أربعينية والدتها، فدخلت في معركة كيد النساء دون أن تفقه في أساليبها شيئا أو تعدّ لها عدّة، فلا عجب إذا قالوا أنها كانت لا تخرج منها دائما إلاّ بالخيبة والهزيمة. وظلت مع ذلك صابرة صامدة تعدّ السنين وتعيش على أمل ذلك اليوم الذي سيطرق فيه احد ما بابهم ويأخذها معه إلى غير رجعة، وتعيش على ما اختزنته ذاكرتها من ذكريات والدتها المتوفية، غير أنّ خبث ومكر زوجة أببيها لم يمهلا الزمن الفرصة كي يكمل دورته، فجاءتها ذات يوم بقريب لها ليس فيه من علامات الرجولة سوى شاربه الطويل المفتول، وكعادتها في بداية كل أمر لا يروقها تتلقاه من زوجة زوجة والدها رفضت عويشة الانصياع لأوامرها، غير أنّ عويشة هذه المرّة كانت أكثر إصرارا وعزما على عدم الرضوخ والاستسلام لكيد هذه السليطة، فظلت تكرر رفظها مستعينة على ذلك باستدارة وإحياء آخر ما تبقى في جوف والدها من مشاعر الأبوّة المفقودة، وسرعان ما انقطعت آخر حبال الرجاء أمام حدة سكاكين الغطرسة والأنانية القاتلة وعويشة تسمع تاريخ زواجها يصبح شيئا واقعا يجثم على أنفاسها، وزوجة والدها تصحبها مرغمة عند أحد الخياطين كي تخيط لها ملابس حفل زفاف هو بالنسبة لعويشة حفل تأبين،

في يوم من أيام شهر مارس الممطرة، دقّت الطبول وارتفعت أصوات الزغاريد معلنة بذلك عن قرب يوم الزفاف، حيت اجتمع بعض أفراد عائلة العريس وعائلة زوجة والد عويشة في صالة المنزل  ، في الوقت الذي انزوت فيه المسكينة في أحد أركان المطبخ أو ما يسمونه هم الكشّينة. جلست تعصر آخر ما تبقى في عينيها من دموع الأسى والحزن، أغمضت عينيها وأطلقت  العنان لأفكارها كي تسافر عائدة بالزمن بضع سنين إلى الوراء، حيت كانت تجلس فوق حجر والدتها أمام صينية الشاي تحدتها عن حفلات الزفاف والأعراس، فتقوم راكضة نحو فستانها الأبيض تمثّل دور العروس تساعدها في ذلك والدتها.

كانت كلمات التهاني تأتيها من الخارج خالخناجر، فتطعنها في كل أعضاء جسدها النحيل عضوا عضوا، وأصوات الزغاريد كالدبابيس تنغرز في طبلة أذنيها فيصدر منهما طنين يشعرها بالغثيان. سمعت صوتا غير غريب يناديها من بعيد، صوت تعوّدت أن تسمعه في طفولتها كلما سالت دموعها كما هي الآن، شعرت بقشعريرة غريبة تسري في أوصالها، فما أعجب قلب الإنسان وما أغرب الأسرار التي أودعها الله فيه، فالقلوب لا تفصل بينها المسافات ولا الأزمنة أو الأمكنة. نهظت مسرعة وخرجت متسللة دون أن يراها أحد، عارية الرأس، حافية القدمين، وركضت مسرعة دون أن ترفع رأسها عن الأرض متخذة طريق المزارع والمراعي تلاحقها نظرات أبناء قريتها المستغربة، وتخطت بقدميها الحافيتين سور المقبرة القصير، ثم تابعت ركضها قاصدة قبر والدتها، حتى إذا بلغته ارتمت فوقه معانقة ثرابه تنتحب وتصرخ : أين أنت يا أمي...قومي وارمي عنك هذا التراب فابنتك تحتاجك في هذا اليوم كما لم تحتجك من قبل...اخرجي إليّ أو خذيني كي أنام في حضنك تحت هذا الثراب لعلّ العيون تغفل عنّي وتدعني وشأني...خذيني إليك فقد أنهكني الهمّ وأتعبتني هذه الحياة التي لم أحظ منها إلاّ بالشقاء تلو الشقاء...خذيني إليك لعلّي أجد في الموت ذلك الخلاص الذي ظللت أسعى إليه منذ غادرتني لتنامي تحت هذا الثراب دون أن أبلغه.

ومالت المسكينة على الجهة الموالية لرأس والدتها فقبّلتها وغادرت المقبرة متجهة نحو الطريق العام، حيت وقفت تستعطف المارّة من أصحاب السيارات و الحافلات وتستجديهم نقلها معهم بعيدا عن هذه الأرض التي لم تعش على ظهرها سوى الشقاء. وصعدت إحدى الحافلات متجهة نحو المجهول ونظرات الركاب تفترسها افتراسا من أسفل قدميها إلى قمة رأسها، كانت تسمع كلماتهم ترتفع من هذا الجانب وذاك : الله يستر..مسكينة...

شعرت بأجفانها تتثاقل فأغمضت عينيها وأسندت رأسها على زجاج النافذة وغفت في نوم عميق لم تستيقظ منه إلاّ على صوت الكريسون وهو يصيح : محطة ولاد زيان...ولاد زياّن. نزلت من الحافلة وقد عفر أقدامها تراب المقبرة، كان كلّ من وقعت عيناه عليها يخالها مجنونة، فيعطيها هذا من طعامه، وتتنحى تلك من طريقها مرعوبة لبشاعة ما آل إليه منظرها. أخذت تطوف بزوايا وأزقة وساحات المحطة باحتة لها عن ركن آمن تستودعه هذا الجسد الميت، افترشت في أحد الأركان قطع الكرطون البالية، واستلقت عليها وهي تحاول أن تتوارى عن نظرات الفضول بأطراف توبها.

ومرّ الزمن يسرع الخطى، وتعرّضت عويشة لشتى أنواع الاعتداء بدءا بالتحرش، ومرورا بالاغتصاب والتعنيف، غير أنها وجدت في هذه الحياة الجديدة نهاية لخوفها السابق الدائم من المجهول، فعلى الأقلّ هي اليوم لم تعد تنتظر مكروها بخوف وهلع بعد أن عاشت جميع أنواع المكروهات، وهاهي اليوم في الأربعينات من عمرها امرأة لا تملك من الدنيا سوى هذه الأسمال التي تحملها على جسدها النحيل، حيت لم يبقى من آثار الجمال القديم الزائل إلاّ اتساع في العينين وأهداب طوال تتدلى على خصر برزت عظامه، إختارت الجنون فاختارها واحتضنها ولم يدعها حتى جعلها مجنونة حقا.

ارتفت أصوات منبهات الحافلات لتختلط بلغط باعة التذاكر معلنة بداية يوم جديد في محطة ولاد زيان، ودبّت الحركة في جميع أركان المحطة كما هو معتاد، إلاّ ركنا واحدا استيقظ على زحمة الناس اللذين تحلقوا في ازدحام حول جسد تمدد بلا حراك على الأرض بعدما عهدوه نشيطا يسابق أشعة الشمس في القيام كلّ صباح.

وجنحت شمس ذلك اليوم إلى المغيب في غروب حزين، وكفت الشفاه عن ذكر عويشة وقصتها، فهذه هي الحياة تتسلّل إلى أجسادنا في صمت وتغادرها في صمت، وهذا الذي بين الصمتين هو ما نخطه من أحداث أو ما نسميه العمر.

 

آهات من خلف الصفيح

فتح باب الغرفة الصغيرة ودلف إلى داخلها منحني الرأس وقد خيّمت على وجهه حالة من الوجوم والتوتر، ضغط على زرّ حاسوبه الموضوع على طاولة مصنوعة من جوانب حديدية تغطّيها صفائح زجاجية، وشغّل مجموعة أغاني للراحل عبد الحليم حافظ، وعلى إيقاعاتها شرع في تحرير الرسالة التالية :

 

        ... تتساقط الأفكار على الذاكرة المثخنة بالجراح كوريقات الخريف البالية...هي ذي الأوحال تعشش في رحم الزمان، وذويّ الرعد يخرج من فم صبيّ أفزعه صوت وقع الأمطار على الصفائح الممتدة من البيضاء إلى الرباط...نحن المرابطون بلا فقيه، نمدّ أكف الضراعة إلى السماء لعلّها تخلّصنا من كفن النسيان المنسوج حول عوراتنا، حتى السراويل فرّت من فوق سوءاتنا من وحشية الجنس الممارس علينا بلا فراش، جنس الجلاّد ، هي ذي سياطك يا زمن تهوي على ظهورنا فترسم عليها باللون البني القاتم كلمة لا... فتحنا الدرج نبحت عن موقع لنا على خارطة الوطن، آه !!  صوت آه ينفلت من خلف الصفيح بلا اتجاه، ويد تكفكف شظايا الدمع حتى لا تذبح الوجنتان، هاهم قد خرجوا يحملون نعشا على الأكتاف، هاهم يسيرون به بلا تكبير ولا قرآن، هاهم يمضون به بلا دمع ولا أحزان، هاهم ينبشون له قبرا في مقبرة الأوطان .

        نسافر بلا اتجاه يا وطني، وتموت الأحلام فينا دون أن يفتحوا تحقيقات ولا محاكمات ... وهذه الجرذان تسكننا فنصير لطول مكوتها فينا جرذانا، نتناسل بلا انقطاع لعلّنا نجد في الجنس ما يثبت وجودنا، حين تهجع الدبابير إلى أوكارها يخرج أطفالنا يتحسسون صناديق القمامة، يبحثون بين أزبالها عن كسرة خبز، عن دمية ترفع يدها وتجفف الدمع المنحدر من أعين السماء، عن حلم ضاع منهم ذات يوم، أو عن ابتسامة، ولكن و للأسف ! تقع أيديهم على غفلة منهم في مصيدة الجرذان فيصرخون من شدة وقعها على العظام، يتراجعون وهم عازمون على عدم العودة لسلة القمامة مرة أخرى وقد ارتسم على محيّاهم صوت آه ... هكذا هي حياتنا خلف الصفيح، زمن يمضي بنا بلا رجوع، وحتى لا تسألني ذات يوم إذا ما متّ بينكم ناشرا فيكم عدوى الموت لما فعلت ؟ دعني أقول لكم بأننا أبدا لن نموت رخصا أو نؤدي بموتنا الأبرياء، لن تدفنونا في مقبرة الأوطان كما فعلتم مع الوطن ...

        رفع رأسه نحو شاشة الحاسوب وقد وضع غطاء القلم بين أسنانه، فتح المجال من جديد للأفكار للتتطاحن داخل مخه الموشك على الانفجار، حمل الرسالة بتوتر بين أنامله المرتعشة، وطواها قبل أن يضعها في جيب قميصه الأمامي ويقوم مغادرا الغرفة. كان يسير بين أزقة الكاريان الضيقة وعيناه تتفحصان الصفائح القصديرية التي ملأها الصدأ، وكأنه يبحث بينها عن جواب لملايين الأسئلة المتناحرة في داخله، سمع صوت صراخ خلفه فاستدار في تثاقل ضنا منه بأنّ هناك من يناديه، لكنه لم يجد سوى طفلا صغيرا قد شدّ جرذا كبير بخيط من ذيله وهو يركض به صارخا :

- عَنْ عَنْ عنننننعن، طِيطْ طِيطْ

كل شيء بهذا الحي الصفيحي يولّد بنفسه نيرانا يصعب إخمادها، بدل جهدا كبيرا وهو يتخطّى بحيرة الأوحال الممتدة على طول المسافة الفاصلة بين المجمع الصفيحي والحي الإسمنتي المجاور لهم، وبعد دقائق بلغ برّ الأمان، تحسس جيبه وأخرج منديلا قديما وشرع يزيل الأوحال عن حذائه وأسفل سرواله، ثمّ نظر إلى ساعته وهرول إلى أقرب محطة للحافلات.

        شعر بغيض كبير وهو يرى عددا من الحافلات تمرّ دون أن يكلّف سائقوها أنفسهم عناء التوقف بهذه المحطّة، كان الوقت يركض بجنون دون اكتراث بمن يخلفهم خلفه في زحمة الأحداث، توقفت إحدى الحافلات فدلف إلى بطنها كما دلف يونس إلى بطن الحوت، كلّ الوجوه تتجسس على بعضها البعض، وحين تلتقي العيون تنحني أكثرها خجلا في حين تضلّ الأخرى تتلذذ بمتعة الغوص في الآخر، هذا الآخر الذي لا يعدو في النهاية سوى صورة لنا.

        نزل من الحافلة وهرول صوب مقرّ عمله عابرا زقاقا مكتظّا بالباعة المتجولين اللذين كانوا يتنابحون بشكل هستيري :

- البيجامات يا العيالات غير 600 ريال.

- ريكلام إلاّ 50 درهم يا الله زيدو ما بقاشْ

- ...

        ضغط على زرّ المصعد وانتظر طويلا دون جدوى، تأفف تم هرول مسرعا يرتقي الدرج إلى الطابق السادس، فتح الباب ليجد رئيسه ينتظره وقد قد ارتفع أحد حاجبيه حتى كاد يختلط بشعر رأسه، نبس له بالتحية متمتما :

- السلام عليكم

        توقف هنيهة دون أن يرفع رأسه لعله يسمع ردا عن تحيته أو توبيخا أو أيّ شيء يضع حدا لنيران الأفكار المشتعلة في رأسه، لكنه لم يسمع شيئا، فقرّر الاتجاه نحو مكتبه، وما كاد يرمي بقدميه خطوتين نحو الأمام حتى دوّى في أذنيه صوت رئيسه وهو يصرخ شاتما :

- درّق عليا وجهك من اليوم ما نشوفك هنا، على عمّر شي كارياني دارها زوينة، غبّر عليا وجهك

        عاد أدراجه دون أن ينبس بكلمة، كان بإمكانه أن يردّ على شتائمه ويبادله الشتيمة بعشرة من أمثالها، ولكن شيئا ما بداخله كان يدفعه للالتزام الصمت، حتى دعوات أمه هذا الصباح لم تشفع له في هذا الموقف القاتل. سار بلا اتجاه يجوب أزقة المدينة القديمة الضيقة حتى أفضت به إلى الميناء، ومنه تابع الخطى زاحفا نحو الحي الصناعي لعين سبع، وعلى طول الطريق كان يعود بأفكاره سنتين إلى الوراء، حين سمح ذات يوم لقلبه بأن يفكر في ولوج عالم الحب، فتعلّق بإحدى زميلاته من أيّام الجامعة، وقرّر أن يتقدّم لخطبتها، فما كان جواب والديها إلاّ أن قالا له :

- احنا ما كنزوجوش بناتنا لواحد ساكن في الكاريان

        ثبا لهذا الكاريان وثبا لمن اخترع الصفيح دون أن يفكّر أنّه قد يتحوّل ذات يوم إلى وصمة عار أبدية على جبين البؤساء أمثالنا، قالها في نفسه وهو ويتوقف على خط السكة الحديدية، وترامى إلى سمعه صوت القطار وهو قادم اتجاهه من بعيد، أراد أن يبتعد عن السكة الحديدية لكن شيئا ما بداخله كان يدعوه للبقاء بين حديدها، وضع يده بارتعاش في جيبه وأخرج الرسالة التي كان قد كتبها قبل أن يتوجه للعمل، وأخرج قلما من الجيب الآخر وشرع يكتب :

        ... ها نحن نموت كي تعيشوا وحدكم دون أن تموت الأسئلة الرابضة فينا أو تنبطح شمس الأفول، سيكمل القطار طريقه من فوق ظهورنا في رحلة اللاعودة، وأنت يا وطني سنزورك كل مساء حين تغمس الشمس رأسها في مياه البحر خجلا وهي ترى الدمع يتدفق من مقلتيك، سنزورك يا وطني حاملين إليك وريقات زيتون وباقات أقحوان، وقبل ذلك ها نحن نموت يا وطني دون أن تدفن أجسادنا أو تصلّى عليها صلاة الجنازة أو تتلى عليها آيات من القرآن ... ها نحن نموت يا وطني، ولكن بعد أن فتحنا في الجدران نوافذ ننظر من خلالها إلى تقاسيم وجهك ...أبدا لا تلمنا يا وطني إذا ما متنا ذات يوم كدودة على قارعة الطريق ... أبدا لا تلمنا يا وطني، إذا ما انفجرنا غيضا ذات يوم وكتبنا بدمائنا قصيدة آه بلا عنوان.

 

المزابي

- نعناع ...نعناع... ها البْروج ها الزياني ها الشيبة، نعناع ...نعناع

       

قالها ثم دفع عربته اليدوية القديمة وسار بخطى متثاقلة منعطفا بين صفائح الزقاق الضيق، توقف هنيهة حتى يجرّ قطعة الخيش فوق ما عري من حزم النعناع حتى لا تتلفها أشعة الشمس، تم أكمل طريقه وهو يصيح بأعلى صوته المبحوح :

 

- نعناع ...نعناع... ها البْروج ها الزياني ها الشيبة، نعناع ...نعناع

       

ترامى لنظره بعض النسوة اللاّئي وقفن أمام أحد البراريك يجتذبن أطراف الحديث، فمال بعربته نحوهنّ، وما كاد يقترب منهنّ حتى تعالت إلى مسمعه قهقهتنّ ومعها صوت إحداهنّ يقول :

 

- ها المْزابي جا يا العيالات هو اللي غادي يفُكْها ليكم.

ردّ المزابي قائلا :

- آش غادي نْفُكْ ثاني ؟

ردّت إحداهنّ مبتسمة :

- كنْسألوا أسيدي علاش الرجال المغاربة كيبغيوا غير العيالات الغلاضات ؟ ما شي بحال النصارى ؟

فأجاب المزابي ساخرا وهو يرفع الطاقية عن عينيه ساخرا :

- لحقّاش أمولاتي حنا المغاربة مزاليط ما فينا ما يشري المضربات والنموسيات، وأكتريتنا كينعسوا غير على الأرض، هاد الشي علاش كنقلبوا على غير على المتكتكات.

ردّت إحداهنّ :

- واللي مسكينة كانت غليضة وضعّفها الزمان، صافي ترميوها ؟

يجيب المزابي :

- ما عليك أمولاتي غير بالمساخن، أولا تبدلي المطرح لعله وعسى يجيب الله التيسير

ردت وهي تضربه بكفها على ظهره :

- سير الله يمسخك يا الشيبة العاصية

- ما عْرفت شكون اللي شيبة عاصية أنا أو لا راجلك ؟ أنا بعد مراتي باقى قد البرميل.

قهقهت جاراتها قائلات :

- وفي هادي غلبك.

يدفع المزابي عربته إلى الأمام مبتعدا وهو يقول :

 

- والله وما سمعتي كلامي وجرّبت منامي حتى تبقاي كيف العود غير العظم والجلود. 

تنفجر النسوة ضاحكات بينما يكمل المزابي طريقه ملتويا بين الأزقة الضيقة وهو يصرخ كعادته، ولا يتوانى عن معاكسة كلّ امرأة يصادفها في طريقه من زبائنه الأوفياء. هكذا كان يقضي المزابي أيامه بين مارشي كريو، وأزقة هذا الحيّ الصفيحي ومداعبة نسائه، لم يكن يكسب من هذه الحرفة ما يمكّنه من تغطية جميع الحاجيات اليومية، ولكنه مع ذلك ظلّ متشبتا بها، عاملا بالمثل القائل:

- قليل ومداوم أو لا كثير ومقطوع

كان يعيش مع زوجته وحيدين في كوخ صفيحي من غرفتين بعد أن تركهما إبنيهما اللذين ذهبا للعمل والعيش في أرض المهجر، أو كما يسميها هو بلاد ليهود، لم تعد تربطه بهما أية علاقة منذ ما يزيد عن اثني عشرة سنة، بل سار يكره الخوض في سيرتهما ولا يتردد في الإجابة على كل من يسأله عنهما قائلا :

- ولاد ليهود، الله يلقيها ليهم فين ما كانوا، ما ولادي ما أنا بوهم.

لم يكن له دخل آخر غير ما يجنيه من بيع النعناع وهبات بعض المتعاطفين معه من جيرانه القدامى، كان لا يزال يبدو صلب البنيان رغم تجاوزه الستين من عمره، لعلّ ذلك يرجع كما يقول لسنوات لاندوشين التي قضاها في الخدمة العسكرية التي لم يظفر منها سوى على إعاقة في ركبته اليسرى صاحبته لسنوات، كان رجلا لا يخلو من الشهامة و حبّ الخير للآخرين، غير أنّ العيب الوحيد الذي كان يلازمه هو حبه لمغازلة ومجالسة النساء المتزوجات، فلم يكن يفلّت الفرصة كلما سنحت له بأن يخلو بأرملة أو مطلقة أو بعض أولئك اللائي يستهويهنّ مضاجعة غير أزواجهنّ، هذا هو عيب المزابي الوحيد، وما عدا هذا فهو رجل معقول، ودغري.

        مال بعربته نحو ركن من الأركان ووقف يحصي ما استطاع تحصيله هذا الصباح، وضع القطع المعدنية في جورب وأحكم عقده قبل أن يضع في جيب سرواله ويدفع عربته متأوها، سمع خلفه صوتا خافتا ينادي برقة :

- المزابي ...أ المزابي ...

        إلتفت ليجد سيدة في حوالي الأربعين من عمرها مكتنزة الجسم، وقد غطت وجهها بنقاب أسود، وهي تلوح له بيدها بالقدوم وتمسك بالأخرى طرف النقاب، جرّ عربته نحوها وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة لم يشهدها وجهه منذ أسبوع أو ما يزيد، فتحت السيدة الباب وأشارت له أن يلحق بها، مال برأسه ذات اليمين وذات الشمال فبدا له الزقاق فارغا إلاّ من بعض القطط التي تحلقت حول بعض رؤوس السردين المتناثرة قرب دلو للقمامة، ودلف خلفها :

- على سلامتنا آفاطنة حتى تفكرتينا هاد النهار...

 

قالها المزابي وهو يدعك راحتيه.

فردت فاطنة وهي تنزع النقاب عن وجهها كاشفة عن وشم أخضر يمتدّ شفتها السفلى إلى نحرها :

- تانا راني غير على حساب الظروف، راه الصكع ديال راجلي كان جالس من الخدمة وشاد لي الركنة هاد الشهر كامل بلا فرح.

يدفعها المزابي نحو غرفة النوم :

- يا الله طلقينا للفراجة راها الوحدة هادي ...

- وباز لهاديك المرة عندك

يجيب بتدمر :

- كون كان باقي فيها الفرح ما تصيبينيش هنا عندك

       

هكذا كان المزابي يقضي أيامه بين أزقة الكاريان وحرارة نسائه متناسيا ضنك الحياة وهمومها، متجاذبا أطراف الحديث في هذا الزقاق، وصارخا في ذلك، حتى صار صوته مألوفا لدى السكان وجزءا لا يتجزأ من مكونات المكان وطقوسه، لا يكاد يمرّ عليك يوم دون أن تراه وهو قادم يدفع عربته بيد ويمسك بالأخرى طرف سرواله رافعا إياه بين الفينة والأخرى، وكلما صادف مجمعا نسائيا إلاّ وتوقّف بينهن ممازحا حينا، ومتغزلا حينا آخر، فصار بذلك حديث النساء ومثالا يحتدى به في الرجولة تتناقله النسوة هنا وهناك، وذات يوم اختفى المزابي وغاب صوته عن الكاريان لمدة ليست بالقصيرة، فكثرت الروايات عن أسباب اختفائه بين قائل بأنه رحل رفقة زوجته إلى الخارج عند إبنيه، وبين قائل أنه طلّق زوجته بعد أن اكتشفت أنّه يخونها، غير أنّ أقرب رأي للصواب وهو ذاك الصادر عن إحدى الممرضات التي قالت بأنّه مات ضحية إصابته بداء فقدان المناعة المكتسبة، غير أنّ الناس كانوا يسمعون صوته كلما حلّ فصل الشتاء ليلا وهو يصيح كعادته :

نعناع ...نعناع... ها البْروج ها الزياني ها الشيبة، نعناع ...نعناع

حلم لم يكتمل

كان يمشي بين أصدقائه على طول الرصيف الخلفي لحديقة الكلية، بدت السعادة على محيّاهُ كعروس تعدّ ليوم زفافها الذي لم يعد يفصلها عنه سوى يومين، ولم يكن يدري أنّ شياطين الإنس قد أقسمت ليلة القدر أن لا تدع فقيرا إلاّ و زنت به منجبة منه مساحات من الشقاء، هذه الشياطين التي تزني بنا بدون عقد نكاح ولا شاهدين ولا مهر أو صداق، أنا بنفسي رأيتها ذات صباح تصلّي بلا وضوء. حمل يده نحو رقبة زميله متحسسا وقد توجّه نحوه بنظرات تختزن في طيّاتها فرحا ممزوجا بنوع من التردد :

 

- قوّي يقينك في الله يا أخي، ها أنا ذا أمامك خير مثال تحتمي به من نيران الحسرة كلما اشتعلت بداخلك وأنت تذكر رسوبك في امتحانات رجال التعليم هذه السنة، إنها المرّة الأولى التي تجتاز فيها هذه المباراة، أنا أيضا عشت التجربة نفسها في السنة الماضية، وها هو الله قد وفّقني هذه السنة، وحقق لي ولأسرتي حلما لا طالما عشنا ننسج خيوطه معا كلّما تشابكت حولنا ذيول الفقر والحاجة، فاضحك في وجه الدنيا ترى الوجود يضحك لك.

ردّ زميله :

 

- مبروك عليك، صدقني لن تعرف كم كنا سعداء ونحن نسمع خبر قبولك في معهد الأساتذة وأنت الأحوج لذلك من أيّ طالب على امتداد جغرافيا هذا الوطن.

         ابتسم في وجه زميله ابتسامة خفيفة وتابع سيره دون أن يعلم أنّ مشيئة شياطين الإنس سارت منذ خلق الخليقة على عكس مسار مشيئة الربّ، فيا ويلي، أنا وحدي أرى طوابيرهم وراء ربطة العنق تنتظر، ونحن القرابين التي يتقرّب بها عبدة الشياطين كلّ إلى شيطانه، فبالطبع كلّ منا له شيطان، ولكنّ شياطينهم هم غير شياطيننا نحن، لقد اختار أن يدرس الدراسات الإسلامية أملا في الظفر بمهنة شريفة ولزوم جانب من التقوى في الوقت نفسه، أو كما كان يقول لزملائه :

- غادي نضرب عصفورين بحجر واحد.

         غير أنّ المسكين لم يكن يعلم بأن الشياطين قد ضربت جميع العصافير منذ زمن بعيد، ولم يبقى على الشجرة سواه، لم يكن يدري بأنّ هذا الحجر سيعود خالي الوفاض ليصيب رأسه المثخنة بالجراح، فيفتح فيها جرحا تسيل له دماء أسرته الفقيرة الرافعة أكفها في استسلام لعطف السماء، مثل كلّ الناس المنذورين للتيه، يسير بقدمين بلا جسد، أو جسد بلا قدمين، فيلا يبرح مكانه، أنا الذي رأيته ذات يوم يبحث خلف ظله عن شيء أبيض فلم يعثر إلاّ على السواد، ها هو ذا ينجح في امتحانات الأساتذة، ولكنه وكغير عادته يسابق الزمن فيدخل قاعة الدرس قبل حتى أن يبدأ فترة التدريب، أو يسافر إلى مركز الأساتذة، حتى التلاميذ من فرحته نسجهم من عجين خياله الواسع، إنه يرتّب التيه على وسادة ضبابية وعينان مغلقتان، هناك على مقربة من الموت القادم نحوه بلا عنوان، كان يفتح ظرفا بعتته له شياطين الإنس دون أن تلصق على ظهر الظرف طابعا بريديا، لأنّ الظرف مثلنا بات بلا ظهر مشوها ولا قدمين، جاءته الرسالة حبوا تبحث عن من حان دوره هذه السنة كي يتقمص دور القربان، نهض من النوم مضطربا على صوت رنين الهاتف حتى قبل أن ينهي الدرس أو يودع تلاميذه، ركل الغطاء بقدميه وارتدى سرواله في عجالة حتى أنّ السلسلة قد أطبقت على طرف خصيته فعاد ليفكها دونما تأوه، ومن يدري لعل هناك ما كان يدفعه لاختزان تأوهاته كزاد يقتات منه حين ستطول به الليالي في مكان لا تكاد تسمع فيه سوى صوت الآه، هناك بعيدا عن صفرة الشمس، حيت سيبعثونه ليدرّس أبناء الجان خلف القضبان، أو كما قال سيدي عبد الرحمان المجدوب :

يا ويلْ منْ طاحْ في بيرْ

و صْعابْ عنّوا طْلُوعُوا

فَرْفرْ ما صابْ جَنْحينْ

يبكي ويْسيلُوا دْموعوا

 

         حمل الإستدعاء وهرول صوب الكوميسارية وقد غلبه اليقين أنّ الأمر لن يعدو سوى خطأ في العنوان، أو تشابها في الأسماء، فلا مبرّر لاستدعائه في قضية لا يعرف عنها سوى ما جادت به بعض وسائل الإعلام أو ألسنة المواطنين في هذا الزقاق أو ذاك، لن يُتَهم وهو الذي لا يرفع الدجاجة عن بيضها كما يقولون، هو بنفسه لعن أولئك الظلاميين اللذين رسموا للموت طريقا إلى أرض هذا الوطن، وما هي إلاّ دقائق حتى كان أمام ضابط الشرطة يستقصيه عن سبب استدعائه، وما هي إلاّ ساعات حتى كان أمام قاضي التحقيق يتلقى سيلا من التهم التي لم يفرّز منها سوى كلمة تهمة، أمّا ما كان يتبع هذه الكلمة من عبارات فلم يعثر لها على شرح في قاموس رأسه الذي استقاه طيلة سنوات الدراسة العشرين، وما هي إلاّ أيّام حتى كان خلف قضبان الزنزانة يبحث بين أركانها عن حلم ضاع منه بغثة وفي غفلة من الزمن، ومرّت الأيام والطاولات ما تزال مصفوفة في رأسه، والتلاميذ ما زالوا يسألونه عن إعراب الحال، فيجيبهم بأنّ الحال مجرور، قد جرّته شياطين الفقر ورفضت أن تنصبه كما تقتضي قواعد اللغة والأدب، مرّت الأيام وصاحبنا في دهاليز السجن يبحث عن طبشور يكتب به على جدار الذاكرة :

راح ذاك الزمان وناسوا

وجا هاد الزمان بفاسوا

وكل من يتكلم بالحق

كسروا لُوا راسُوا

 

صبر أيوب

لم تكن ليلى حلما من أحلام أيّام الشتاء الباردة، ولا سحابة من سحابات الصيف المهاجرة، بل كانت واقعا يجثم بكلّ تقله على أنفاس أيّوب فيخنقها حتى تكاد كرتا عيناه تسقطان بين كفيه، كما تسقط شعيرات رأسه السوداء يوما بعد يوم، لتقف مكانها أخرى بيضاء كراية استسلام، ما معنى الحب ؟

         ويظلّ السؤال معلقا بين الهوة الفاصلة بين حي القدس الراقي ودوار السكويلة الصفيحي، وتركض الأيام في مضمار الزمن دون أن تلتفت إلى من خلفتهم وراءها، وأيوب يلتقي ليلى ... وأيوب يعشق ليلى ... وأيوب يحاول أن يخفي عن ليلى أنّ الموت هو تلك الصفائح القصديرية الممتدة حتى أمعاءه، صارت ليلى هي شغله الشاغل، فنسي دراسته، وأضاع صلواته ودعوات والدته بين أحضانها، هناك خلف بئر حديقة الجامعة، أو خلف أيّ شجرة من أشجارها، وكقطعة زبدة تذوب لحظات السعادة في حرارة زمن أبى إلاّ أن يغلّق الأبواب في وجه أيوب دون أن يقول هِيتَ لك.

          شاب في منتصف العمر يقف على مفترق الطريق يبحث عن لوحة مرور تحمل اسم ليلى، فلا يعثر إلاّ على بقايا عظام كلب داسته إحدى السيارات أو الشاحنات بلا رحمة، كلب من الكلاب المتشردة التي خرجت مثله ذات يوم تبحث عن أنثى، فظلّت الطريق، يخاف أن يبقى كذكر البط لا حيلة له سوى أن يدير عينيه في حلقة رأسه الفارغة من كل شيء إلاّ صورة ليلى...

         يستيقظ على رنّات هاتفه النقال الملفوف باللصاق، يحمله متفحصا، كان اسم المتصل لا يزال باديا  على الشاشة « laila amoura » هكذا أدخله أوّل مرة في أجندته، رمى بالمانطة جانبا وهرول صوب المطبخ ليخرج منه حاملا مقراج الوضوء، وبعد ثواني كان واقفا بين يدي ربه يصلي صلاة الصبح ويتلو بعض آيات القرآن الكريم، وبعد دقائق كان واقفا بين يدي ليلى حاملا جريدة بيان اليوم ويتلو عليها إحدى قصائده المنشورة حديثا على صفحاتها :

 

« إلى التي سكنت قلبي وتربّعت على عرش فؤادي ... إليك أنت وحدك سيدتي أهدي قصيدتي »

 

يا ليلى ...

أسكرني لعاب شفتيك حتى الثمالة

وأنا بين ذراعيك

علمتُ أني أولد من جديد

على حجر السعادة

يا ليلى ...

أنا من أدمن حبك

حتى لم أفرّق بين الحب والعبادة

يا ليلى ...

في كنائس حضنك تلقيت أولى دروس الكهانة

فأنت محراب المساجد

أنت عذراء الكنائس

أنت من جمالها جعل نساء العالمين عوانس

في مدرسة حبّك سيدتي

قرأت أولى حروف قصيدتي

فاختفت الكتاتيب وأغلقت المدارس

 

يا ليلى ...

أنا لمّا أحببتك

علمت أنّ قيسا لم يكن شاعرا

فأنا وقيس أنبياء

وليلى الإله

أيكفر من إلهه هواه ؟

أيكفر مَنْ مِنْ أجل حبّه، أضرم النار في دنياه ؟

يا ليلى ...

أنت بحبّك علّمتني أنّ الشاعر حرّ

ولو قيّدوا بالسلاسل يداه

فأنا وقيس أنبياء

وفي شريعتنا كافر من خان عهد هواه

            

اختطفت الجريدة من بين يديه، وظلت تحملق طويلا في صورته المرفقة مع القصيدة، تم سألته :

- لماذا اخترت هذه الصورة لتبعتها للجريدة ولم تبعث تلك التي تضع فيها ربطة العنق ؟

ردّ وهو يستلقي على ظهره فوق أعشاب الحديقة وعيناه تتنقلان بين أغصان هذه الشجرة الشامخة التي اعتادا الجلوس تحتها :

- أنا أكره ربطات العنق، لا أطيقها، طبعا حتى رؤيتها في الصور، لا أدري ! ربما توحي إليّ بعدم الحرية والضيق والاختناق، هكذا نحن الشعراء، خلقنا كي نعيش أحرارا.

 

- ومتى كانت ربطات العنق قيدا ؟

- حين أصبح يضعها كلاب البلاطات والمتملقون من ذوي النفوس الرخيصة من عبدة الدولار والدرهم والدينار.

- تشاؤمك هذا يفقدني الثقة في الغد، ويفتح الباب على مصراعيه أمام جحافل الشك والخوف لتقتحم قلعة قلبي.

- لا تكترثي لكلامي.<